حبيب الله الهاشمي الخوئي
164
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
والحزن والبكاء على ما فاته منها ، وقبض عنه من قيناتها وزخارفها . والتشبيه بحنين الأمة لأنّ الإماء كثيرا ما يضربن ويبكين ويسمع الحنين منهنّ والحرائر يأنفن من البكاء والحنين ( واستتمّوا نعمة اللَّه عليكم بالصّبر على طاعة اللَّه ) أي بالصبر والتحمّل على مشاقّ العبادات أو بالصبر على المصائب والبلايا طاعة له سبحانه ، وعلى أىّ حال فهو من الشكر الموجب للمزيد ( و ) به يطلب تمام النعمة في الدنيا والآخرة كما قال عز من قائل : * ( « إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ » ) * كما يطلب تمامها ب ( المحافظة على ما استحفظكم من كتابه ) أي بالمواظبة على ما طلب منكم حفظه والمواظبة عليه من التكاليف الشرعيّة الواردة في كتابه العزيز لأنّ المواظبة على التكاليف والطاعات سبب عظيم لإفاضة النعماء والخيرات . وأكَّد الأمر بالمحافظة بقوله ( ألا وإنّه لا يضرّكم تضييع شيء من دنياكم بعد حفظكم قائمة دينكم ) لعلّ المراد بقائمة الدّين أصوله وما يقرب منها وعلى كون الإضافة بيانيّة فالمراد بقائمته نفس الدّين إذ به قوام أمر الدّنيا والآخرة . ثمّ نبّه على عدم المنفعة في الدّنيا مع فوات الدّين فقال : ( ألا وإنّه لا ينفعكم بعد تضييع دينكم شيء حافظتم عليه من أمر دنياكم ) وذلك واضح لأنّ أمور الدّنياويّة مع تضييع الدّين لا تنتفع بشيء منها في الآخرة البتة . وختم الكلام بالدّعاء لنفسه ولهم وقال : ( أخذ اللَّه بقلوبنا وقلوبكم إلى الحقّ ) وهدانا إلى سلوك سبيله ( وألهمنا وإيّاكم الصبر ) على مصيبته وطاعته ومعصيته لأنّ من صبر عند المصيبة حتى يردّها بحسن عزائها كتب اللَّه له ثلاثمأة درجة ما بين الدّرجة إلى الدّرجة كما بين السماء والأرض ، ومن صبر على الطاعة كتب اللَّه له ستمائة درجة ما بين الدّرجة إلى الدّرجة كما بين تخوم الأرض إلى العرش ، ومن صبر عن المعصية كتب اللَّه له تسعمائة درجة ما بين الدّرجة إلى الدّرجة كما بين تخوم الأرض إلى منتهى العرش . رواه في الوسائل من الكافي عن أمير المؤمنين عليه السّلام عن النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم وقد تقدّم روايته مع أخبار أخر في فضل الصبر في شرح الخطبة الخامسة والسّبعين ووعدنا هناك إشباع الكلام فيه أي في الصبر وفضله وأقسامه فها نحن الان نفي بما وعدناك بتوفيق من اللَّه سبحانه ومن منّه .